فخر الدين الرازي

564

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قوله تعالى : أَسْكِنُوهُنَّ وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ [ الطلاق : 4 ] كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات ، فقيل : أَسْكِنُوهُنَّ قال صاحب « الكشاف » : ( من ) صلة ، والمعنى أسكنوهن حيث سكنتم . قال أبو عبيدة : مِنْ وُجْدِكُمْ أي وسعكم وسعتكم ، وقال الفراء : على قدر طاقتكم ، وقال أبو إسحاق : يقال وجدت فيء المال وجدا ، أي صرت ذا مال ، وقرئ بفتح الواو أيضا وبخفضها ، والوجد الوسع والطاقة ، وقوله : وَلا تُضآرُّوهُنَّ نهي عن مضارتهن بالتضييق عليهن في السكنى والنفقة وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ / فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهذا بيان حكم المطلقة البائنة ، لأن الرجعية تستحق النفقة ، وإن لم تكن حاملا ، وإن كانت مطلقة ثلاثا أو مختلفة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا ، وعند مالك والشافعي ، ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها ، فقال لها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لا سكنى لك ولا نفقة . وقوله : فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ يعنى حق الرضاع وأجرته وقد مر ، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر ، وفيه دليل على أن حق الرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل ، وقوله تعالى : وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ قال عطاء : يريد بفضل معروفا منك ، وقال مقاتل : بتراضي الأب والأم ، وقال المبرد : ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف ، والخطاب للأزواج من النساء والرجال ، والمعروف هاهنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة ونفقتها ولا هي في حق الولد ورضاعه وقد مر تفسير الائتمار ، وقيل : الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي ، وقوله تعالى : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ أي في الآجرة : فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى غير الأم ، ثم بين قدر الإنفاق بقوله : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك ، ونظيره : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] وقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها أي ما أعطاها من الرزق ، قال السدى : لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغنى ، وقوله : سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة ، فأعلمهم اللَّه تعالى أن يجعل بعد عسر يسرا وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم ، ثم في الآية مباحث : الأول : إذا قيل : ( من ) في قوله : مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ ما هي ؟ نقول : هي التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن [ لكم ] غير بيت واحد فأسكنوها في بعض جوانبه . الثاني : ما موقع مِنْ وُجْدِكُمْ ؟ نقول : عطف بيان لقوله : مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وتفسير له ، أي مكانا من مسكنكم على قدر طاقتكم . الثالث : فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة ، فما فائدة الشرط في قوله تعالى : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ نقول : فائدته أن مدة الحمل ربما طال وقتها ، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى